الملكة الأمزيغية ديهيا: “الكاهنة” التي جمعت الجمال والدهاء والتي حاربت الغزاة في بلاد المغرب

0 461

“ديهيا” امرأة أمازيغية جمعت بين سحر الجمال وحدة الذكاء وقوة الإرادة، هي قائدة عسكرية وملكة شمال إفريقيا  في عصرها، لكنها لم تكن ملكة عادية بل كانت مثالا للحنكة والفطنة والدهاء في تسيير دواليب الحكم، حيث تمكنت من السيطرة على حكم شمال إفريقيا لمدة 35 سنة دافعت فيها عن أرض الأمازيغ بكل قوتها في مملكتها الشاسعة (تمازغا) وهي المغرب والجزائر وتونس وليبيا.

ديهيا  أو تيهيا وهي كلمة في القاموس الأمازيغي معناها جميلة، ولدت عام 680م، خلفت زوجها “إكسيل” في الحكم بعد مقتله على يد القائد العربي حسان بن النعمان في معركة “ممش” قرب مدينة القيروان بتونس الذي قتله ثأرا لمقتل عقبة بن نافع الذي قتله (إكسيل) قرب نهر الزاب بالجزائر. ومسكت ديهيا بزمام الأمور فقام الأمازيغيون بمبايعتها مباشرة ، فكانت خير خليفة له حيث شهد لها التاريخ والعديد من المؤرخين بكونها كانت ملكة عظيمة بكل المقاييس، ومن الذين شهدوا لها بذلك المؤرخ ابن خلدون الذي قال عنها: “ديهيا فارسة الأمازيغ التي لم يأتي بمثلها زمان، كانت تركب حصانا وتسعى بين القوم من الأوراس إلى طرابلس تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها”.

أما عن ديانتها والتي ذهب البعض إلى القول بأن ملكة الأمازيغ كانت يهودية أو وثنية، حيث ذهب المؤرخون الى أنّه أطلق عليها لقب الكاهنة أي الساحرة لأنها كانت وثنية تعبد صنما من خشب، وهذا ما أكده ابن خلدون حيث قال : “كانت وثنية تعبد صنما من خشب وتنقله على جمل، وقبل كل معركة تبخره وترقص حوله، فسماها العرب كاهنة”.

أثناء حكمها تمكنت من استعادة معظم أراضي مملكتها بما فيها مدينة “خنشلة”، بعد أن هزمت الرومان هزيمة شنيعة وتمكنت بذلك من توحيد أهم القبائل الأمازيغية، واستطاعت ديهيا أن تلحق هزيمة نكراء بجيش القائد حسان بن النعماء عام 693م.

وكان” انهزام حسان أمام الكاهنة أشنع ما مني به العرب في بلاد المغرب، وهذا بإجماع المصادر العربية، و كان أول انكسار عرفه لهم التاريخ آنذاك. وعندما وصل حسان لمأمنه كتب إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بالواقعة يستنجده لإعادة الكرة ويعتذر عن انكساره.

 سيطرت ديهيا على شمال إفريقيا لمدة خمس سنوات بعد تلك المعركة، قامت فيها بالإفراج عن جميع أولئك الأسرى الذين كانت تحتجزهم بعد الحرب، وكان من بينهم أسير عربي اسمه خالد بن يزيد القيسي الذي كانت له مكانة خاصة في قلب الملكة، فقامت بتبنيه في خطوة إنسانية لها، فالتحق بابنيها الآخرين من التبني كذلك،  فرغم شراستها في الحروب ضد أعدائها عرفت ديهيا بكونها إنسانية جدا، فمن المواقف التي تشهد بذلك أنها لم تخرب القيروان ولم تقتل المسلمين المتواجدين بها ولم تثأر منهم عندما تتبعت جيش حسان بن نعمان إلى تونس بل عادت هي ورجالها إلى الأوراس، لأن هدفها ليس قتل المسلمين بل الدفاع عن أراضيها فقط.
بعد تلك السنوات الخمس من حكمها خطط حسان بن النعمان لتكرار محاولة مقاتلة ديهيا، هذه المرة كانت أسلحة حسان بن النعمان فعالة جدا وذلك لكونه تمكن من معرفة أسرار الملكة من أوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية ودينية كانت عليها مملكة الأوراس، فحسب الروايات المقدمة فخالد بن يزيد هو الذي قام بمد حسان بن النعمان بتلك المعلومات والأسرار. فلما علمت بذلك قررت نهج سياسة الأرض المحروقة كآخر حل بعد أن وجدت نفسها مهزومة لا محالة، فقامت بتخريب الأراضي التي أراد حسان الدخول إليها. ثم تفعيل هذه الخطة لكنها باءت بفشل كبير حيث تسبب ذلك الخراب في رحيل العديد من السكان من النصارى والأفارقة إلى الأندلس وباقي الجزر البحرية هربا من ذلك الخراب.

والجدير بالذكر أن ديهيا كانت ترفض دخول العرب إلى مملكتها لجهلها بالدين الإسلامي، فهي كانت تعتقد أنها سياسة ينهجها العرب من أجل الاستيلاء على أراضي أجدادها، ومن هذا المنطلق فهي دافعت عن وطنها وشرف أبنائها كما فعل أجدادها. من أقوالها الشهيرة :

“إن كنتم تزعمون أنكم جئتم برسالة من الله فأعطونا إياها وارحلوا”

وتوفيت الملكة في معركة حامية الوطيس أثناء مجابهتها لجيش حسان بن النعمان في موقع بالجزائر سمي فيما بعد ببئر الكاهنة حوالي 79 و 80 هجرية.

وسيذكر التاريخ بأن ديهيا أو الكاهنة كانت ملكة جَمعت بين الجمال الأمازيغي والدهاء، أمران جعلاها تتبوأ مكانة عالية في تاريخ منطقة ومجتمع شمال إفريقيا، وكذا في البنية الذهنية العربية والأمازيغية التي دونت سيرتها.

 

 

 

 

تعليقات
Loading...